ابن كثير
221
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
لما ذكر تعالى حال السعداء ثنى بذكر الأشقياء فقال : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ أي ساعة واحدة وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ أي آيسون من كل خير . وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ أي بأعمالهم السيئة بعد قيام الحجج عليهم . وإرسال الرسل إليهم ، فكذبوا وعصوا فجوزوا بذلك جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد . وَنادَوْا يا مالِكُ وهو خازن النار . قال البخاري « 1 » : حدثنا حجاج بن منهال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرأ على المنبر وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ أي ليقبض أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه فإنهم كما قال تعالى : لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها [ فاطر : 36 ] وقال عز وجل : وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى [ الأعلى : 11 - 13 ] فلما سألوا أن يموتوا أجابهم مالك قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ قال ابن عباس : مكث ألف سنة ثم قال : إنكم ماكثون رواه ابن أبي حاتم أي لا خروج لكم منها ولا محيد لكم عنها ثم ذكر سبب شقوتهم ، وهو مخالفتهم للحق ومعاندتهم له فقال : لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ أي بيناه لكم ووضحناه وفسرناه وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ أي ولكن كانت سجاياكم لا تقبله ولا تقبل عليه ، وإنما تنقاد للباطل وتعظمه ، وتصد عن الحق وتأباه وتبغض أهله ، فعودوا على أنفسكم بالملامة . واندموا حيث لا تنفعكم الندامة . ثم قال تبارك وتعالى : أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ قال مجاهد : أرادوا كيد شر ، فكدناهم « 2 » وهذا الذي قاله مجاهد كما قال تعالى : وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [ النمل : 50 ] وذلك لأن المشركين كانوا يتحيلون في رد الحق بالباطل بحيل ومكر يسلكونه ، فكادهم اللّه تعالى ورد وبال ذلك عليهم ، ولهذا قال : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ أي سرهم وعلانيتهم بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ أي نحن نعلم ما هم عليه والملائكة أيضا يكتبون أعمالهم صغيرها وكبيرها . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 81 إلى 89 ] قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ ( 81 ) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 82 ) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 83 ) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ( 84 ) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 85 ) وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 86 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 87 ) وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ( 88 ) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 89 )
--> ( 1 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة الزخرف . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 11 / 214 .